الأربعاء، 25 يناير 2012

استحقاقات الثورة و الدولة و الخلط الفكري الخطير.



إن أخطر أنواع الفساد على الإطلاق هو الفساد الفكري و العقائدي، و لنأخذ مثال بسيط على ذلك؛ فإن إصلاح الشخص الذي يشرب الخمر و هو يعتقد بأنها محرمة و مضرة أسهل بكثير من إصلاح الذي يعتقد بأنها حلال و لا ضرر فيها ، و أسوأ الجميع هو من يعتقد بأن شربها واجب و فوائدها عظيمة و يملك مع ذلك قدرة كلامية يمكنه أن يستعملها في إقناع الآخرين بذلك. فالأول فاسد أخلاقيا و الثاني و الثالث فاسدين فكريا مع اختلاف الدرجة، و لعل من أهم أسباب ذلك الفساد الفكري الخطير عملية المغالطة و خلط المفاهيم ، و أخشى أن هذا ما نعاني منه في ليبيا في هذه المرحلة بالذات.
إن محاولة بعض قصار النظر و غير الناضجين سياسيا؛ ضغط الثورة في قالب الدولة، أو التعامل مع السياسة بعقلية قانونية، قد يسبب انتكاسة خطيرة ، و ربما ثورة معاكسة تكون أشد دموية من الثورة نفسها، لأن الخلط بين السياسة و القانون؛ بهذا الشكل المريع و المربك؛ لا يجوز حتى في الظروف الاعتيادية، فما بالك بحالة الثورة، ناهيك عن كون تلك الثورة؛ ثورة دموية شعبية عارمة، فلكل منهما فلسفته و استحقاقاته التي لا تنسجم مع الأخرى. و حتى تتضح الصورة سنضرب بعض الأمثال:
·       المثال الأول: لو أن أحد المنظرين في ما يسمونه "الفكر الأخضر" كان قد أغدق عليه النظام السابق ما شاء من الأموال، قرر أن يشكل حزبا سياسيا أو يترشح لرئاسة الحكومة أو رئاسة الدولة، فماذا نحن فاعلون؟
إن أردنا أن نحاكمه بالقانون، فالقانون السابق لا يجرمه، و إصدار قانون جديد لن يجرمه أيضا لإنه لا يصح مؤاخذة أي مخالف للقانون إلا من لحظة صدور القانون، و بالتالي هو مواطن له كامل الحقوق، فإن تولى الحكم فقد يرجع بالبلاد إلى حالة الفساد و الدكتاتورية التي كلفتنا عشرات الآلاف من الضحايا للتخلص منها.
·       المثال الثاني: إذا أردنا الاحتكام إلى القانون فإني أتساءل، ما حكم الثوار في القانون؟ طبعا هم مجرمين و يستحقون الإعدام جميعا حسب القانون السابق، فإن أريد سن قانون جديد يستوعب حالتهم، يعني ذلك إصدار قانون يسمح بحمل السلاح (الخفيف و الثقيل) دون ترخيص، كما يجب أن يجيز القانون الجديد اقتحام المعسكرات و مخازن الأسلحة و الاستيلاء عليها بالقوة، بالإضافة إلى تكوين كافة أنواع الميليشيات و التشكيلات العسكرية دون إذن الدولة و خارج إطارها، و إلا بقي الثوار في حكم المجرمين؟
·       المثال الثالث: هل كان وجود الطاغية و نظامه دستورياً أم لا؟ فإن قلنا بأنه دستوري، يكون الخروج عليه باطلا قانونا، وكذلك كل ما ترتب على ذلك الخروج (الثورة و تشكيل المجلس الانتقالي و الحكومة و غيرها)فكيف ننادي بتحكيم القانون؟ و إن قلنا بأنه غير دستوري، وجب علينا تسليم البلاد للأسرة السنوسية التي كانت تحكم البلاد بشكل دستوري، رغم ما كان فيها من فساد، و سواء وجد من تلك الأسرة من يصلح لحكم البلاد أو لم يوجد.
و لولا خوف الإطالة لسقنا من الأمثال الكثير، و هذه الأمثلة و غيرها تجعلنا نفكر مليا قبل أن نتحدث عن التعامل بالقانون و حكم القانون و العقلية القانونية و نحن ما زلنا في مرحلة الثورة (إن لم نكن في بداياتها) وقبل أن نصل إلى مرحلة الدولة.
إن القانون يتعامل بالقرائن و الأدلة الملموسة و المستندات و إجراءات المحاكم المعقدة و التي قد تستمر لسنوات، و القانون لا يعتد بالشبهات و المتهم فيه بريء حتى تثبت إدانته (قانونيا) و حتى تثبت و يصدر حكم الإدانة يكون مواطنا كامل الأهلية و الحقوق، و هذا لا يستقيم في ظل الثورات، و إلا فقتل الطاغية يعتبر جريمة يجب أن يحاكم مرتكبوها و يعدمون، لأنه لم يحاكم و لم يصدر عليه حكم بالإدانة و لا بنوع العقوبة. و أخشى أن هذا الخلط الفكري هو ما جعل ابن الطاغية و غيره من أزلامه المجرمين يتجولون بحرية داخل البلاد و خارجها بينما دم الشهداء و الجرحى و المغتصبات لا زال يصرخ.
أما الثورة فإنها تتحرك بالتدافع الجمعي و تأخذ بالشبهة القوية و لا تنتظر حكم المحكمة، لأن قوتها في تكتلها و مفاجئتها و سرعتها الخاطفة و قطعها لكل علاقة بالماضي الكريه الذي كانت تعيش الجماهير تحت نيره ووطأته، فإن توقف ذلك التدافع أو تباطأ قبل أن تصل الثورة إلى غايتها، انتكست و وقعت في هوة خطيرة لا قرار لها، لأن العدو يملك من القوة و المال و الخبرة السياسية و الأمنية و العلاقات الداخلية و الخارجية، ما لا تملكه الجماهير التي ثارت بشكل عشوائي مفاجئ، و التي يتكون في معظمها من البسطاء و الأشخاص العاديين الذين لا يملكون الحد الأدنى من الحس السياسي أو حتى الثقافة العامة، و خاصة في الثورات العربية التي لم يكن لها قادة سياسيون و لا مفكرون و لا فلاسفة كما كان مع الثورات الأوربية مثلا.
يا سادة يا كرام ، في مجلسنا الموقر و حكومتنا المحترمة و إعلامنا الفذ، و يا مفكرينا و أساتذتنا و حكماؤنا:
اعلموا بأن الخلط الفكري الذي تمارسونه لهو أمر خطير لا يستقيم في العقل السليم، فما بالكم بالواقع المعاش، فالثورة و الدولة شيئان مختلفان تماما رغم أن أحدهما يؤدي إلى الآخر (كما يؤدي المطر إلى ظهور النبات) و ها قد بدأت إرهاصات السوء الذي سببه ذلك الخلط تظهر، و قد تستمر و تتفاقم ما لم نستفق سريعا و نضع حدا لهذا التدهور الخطير الذي يحدث و ذلك عن طريق:
1.    التوقف تماما عن المناداة بالتسامح و المصالحة - التي يفسرها الطرف الآخر بأنها ضعف و تراجع و تخاذل - حتى يستسلم كل المجرمين و الفاسدين من أتباع الطاغية ، و يقروا بذنوبهم و يؤخذ منهم الحق و يرد إلى أصحابه، و يطلبون هم و ذويهم العفو و المسامحة (و ليس التسامح).
2.    التوقف تماما عن المناداة بتحكيم القانون المدني، و عن محاباة الدول و الهيئات الأجنبية بذلك، و تنفيذ القصاص الفوري في كل المجرمين المشهورين دون انتظار حكم محكمة، فإن كان و لا بد، فلتبدأ المحاكمات فورا، ولتكن محاكمات ثورية سريعة لا علاقة لها بالمحاكمات المدنية و الجنائية، فنحن لم نتقاتل بسبب مشاكل شخصية بل بسبب بلد و شعب استعبد لعقود طويلة.
3.    إصدار قوانين ثورية و فورية تجرم كل من ينادي بالطاغية أو نظامه أو أفكاره أو يظهر حبه أو احترامه، أو يظهر أي نوع من العداء لثورة 17 فبراير و ثوارها المسلحين و غير المسلحين.
4.    الإسراع بتكوين جهاز استخباراتي قوي مهمته البحث عن أتباع الطاغية من المجرمين و الفاسدين و المفسدين (فكريا و أخلاقيا و إداريا و ماليا) ، بغرض اعتقالهم أو إحباط أي محاولات منهم للضرر بالثورة، أو سحب أسلحتهم أو استرداد الأموال التي نهبوها من الشعب، و تسجيلهم في قواعد بيانات دقيقة و منعهم من تسلم أي مناصب قيادية مهما قل شأنها.
5.    الإسراع بتكوين جيش وطني قوي (من حيث العدد و العدة و الكفاءة و المعنويات) و ذلك عن طريق استبعاد كل من عليه شبهة الولاء للطاغية أو نظامه ، و كذلك كل من لا يلتزم بالحضور و الانضباط و إطاعة الأوامر سواء بالفصل أو الإحالة إلى التقاعد، و رفع مرتبات الباقين، و معاملتهم بكل احترام و تقدير ، و تقليدهم الرتب والمناصب حسب الكفاءة و الأقدمية و غيرها من الأعراف العسكرية العالمية.
6.    الإبقاء على تشكيلات الثوار كقوة للتدخل السريع بشكل مواز للجيش (حتى تكوين الدولة) مع احترامهم والاهتمام بهم و تنظيمهم و دعمهم ماديا و معنويا و إعلاميا، و العمل على استبعاد المندسين بينهم من الموالين للطاغية و المجرمين و الفاسدين.
7.    إصدار مذكرات اعتقال في كل أتباع الطاغية الفارين و المقيمين بالخارج، و مطالبة الهيئات الدولية المختصة والدول التي يقيمون بها بتسليمهم، و استرداد كل الأموال التي قاموا بنهبها و تهريبها أو إخفائها، و استخدام كافة وسائل الضغط السياسي و الإعلامي لتحقيق ذلك.
8.    اعتبار الثورة مستمرة حتى القضاء المبرم على كل مناوئيها، و إعلان الدولة الذي يبدأ بقيام أول برلمان و أول حكومة منتخبين.
فإن لم يحدث ذلك، و بسرعة، أخشى أن تدخل ثورتنا فيما يسمى بالمرحلة الثالثة للثورة*.
مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَن يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الأنفال : 67]
.
.
.
المرحلة الثالثة، وتسمى مرحلة الأزمة، وخصائصها:
1- تولي المتطرفين السيطرة.
2- إبعاد المعتدلين عن السلطة.
3- الحرب الأهلية.
4- الحرب الخارجية.
5- تركيز القوة في مجلس ثوري يسيطر عليه رجل قوي.
يقول برينتن إنه في هذه المرحلة تبلغ الثورة الذروة عندما يصبح المعتدلون عاجزين عن أداء مهمة حكم البلاد، ويطيح بهم المتطرفون أو اليسار السياسي بالقوة، ويبدأ حكم الإرهاب حيث يشرع المسرفون في التطرف بالتخلص من المعارضة باستخدام العنف، كما تتعرض الحكومة الجديدة عادة إلى حرب خارجية في محاولتها نشر مبادئ الثورة.
كما تبدأ الثورة بفقد زخمها ولا يعود الشعب يساندها إلا خوفاً من التطهير، كما أنه بسبب تفاقم الأزمة الاقتصادية يواجه الثوريون تهديداً داخلياً متزايداً
.. كرين برينتن، تشريح الثورة.
للمزيد شرفونا بزيارة موقعنا

هناك تعليق واحد:

  1. صحة ليك جبتها على الجرح انا من فترة نقول ان الثورة تم ايقافها في منتصف مشوارها

    ردحذف